فخر الدين الرازي
79
تفسير الرازي
النفس قد بطلت ، ومنازعة النفس قد اضمحلت ، فإذا أعلن به فإنما يريد به أن يقتدي به غيره فهذا عبد كملت ذاته فسعى في تكميل غيره ليكون تاماً وفوق التمام ، ألا ترى أن الله تعالى أثنى على قوم في تنزيله وسماهم عباد الرحمن ، وأوجب لهم أعلى الدرجات في الجنة ، فقال : * ( أولئك يجزون الغرفة ) * ( الفرقان : 75 ) ثم ذكر من الخصال التي طلبوها بالدعاء أن قالوا * ( واجعلنا للمتقين إماما ) * ( الفرقان : 74 ) ومدح أمة موسى عليه السلام فقال : * ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) * ( الأعراف : 159 ) ومدح أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال : * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) * ( آل عمران : 110 ) ثم أبهم المنكر فقال : * ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) * ( الأعراف : 181 ) فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يهتدون في الذهاب إلى الله . فإن قيل : إن كان الأمر على ما ذكرتم فلم رجح الإخفاء على الإظهار في قوله * ( وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) * . والجواب : من وجهين الأول : لا نسلم قوله * ( فهو خير لكم ) * يفيد الترجيح فإنه يحتمل أن يكون المعنى أن إعطاء الصدقة حال الاخفاء خير من الخيرات ، وطاعة من جملة الطاعات ، فيكون المراد منه بيان كونه في نفسه خيراً وطاعة ، لا أن المقصود منه بيان الترجيح . والوجه الثاني : سلمنا أن المراد منه الترجيح ، لكن المراد من الآية أنه إذا كانت الحال واحدة في الإبداء والإخفاء ، فالأفضل هو الإخفاء ، فأما إذا حصل في الإبداء أمر آخر لم يبعد ترجيح الإبداء على الإخفاء . البحث الثاني : أن الإظهار في إعطاء الزكاة الواجبة أفضل ، ويدل عليه وجوه الأول : أن الله تعالى أمر الأئمة بتوجيه السعاة لطلب الزكاة ، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها وثانيها : أن في إظهارها نفي التهمة ، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة فإذا اختلف حكم فرض الصلاة ونفلها في الإظهار والإخفاء لنفي التهمة ، فكذا في الزكاة وثالثها : أن إظهارها يتضمن المسارعة إلى أمر الله تعالى وتكليفه ، وإخفاءها يوهم ترك الالتفات إلى أداء الواجب فكان الإظهار أولى ، هذا كله في بيان قول من قال المراد بالصدقات المذكورة في هذه الآية صدقة التطوع فقط . القول الثاني : وهو قول الحسن البصري أن اللفظ متناول للواجب والمندوب ، وأجاب عن قول من قال : الإظهار في الواجب أولى من وجوه الأول : أن إظهار زكاة الأموال توجب